الرئيسية / بيداغوجيا التعلم / ظهور واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس على المستوى الميكرو (المغربي)

ظهور واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس على المستوى الميكرو (المغربي)

ظهور واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس

على المستوى الميكرو (المغربي)

في خضم ما يشهده العالم من تطور تكنولوجي أبى المغرب إلا أن يحدو حدوها، وذلك بالسير نحو جعل مختلف المجالات رقميا، لما له (المجال الرقمي) من دور في تسهيل وتيسير حياة الأفراد والجماعات. بدأ مُسلسل توطين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات منذ سنة 1996، من خلال اعتماد القانون رقم24- 96 الذي ساعد على إطلاق المرحلة الأولى من تحرير قطاع الاتصالات. وفي هذا السياق اعتمد المغرب استراتيجية رقمية متعددة، بدأ بالخطة الخُماسية 1999-2003، واستراتيجية المغرب الإلكتروني 2005-2010، واستراتيجية المغرب الرقمي التي امتدت من 2009 إلى 2013.  أما فيما يتعلق بمجال التربية والتعليم، فقد خَصّت الحكومة هذا الميدان بمشروع خاص أسمته “تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم” (GENIE)1، ويعتبر أهم مشروع في هذا الإطار منذ سنة 2006.

كانت المرحلة التي شهدها مجال التربية والتعليم بعد الاستعمار، لم تشهد أي إشارة لإدماج التكنولوجيات في التعليم؛ فقد توالت مراحل عديدة وهي كلها محاولات للإصلاح، يسعى من خلالها المجال التربوي المغربي إيجاد الطريق الصحيحة نحو إرساء تعليم يستجيب لخصوصيات السياق المغربي.

إذ وجد الاستعمار ن النظام التعليمي السائد، هو ذو طابع أمازيغي عربي إسلامي، وكان ذا هيكلة واضحة، رغم غياب نصوص تنظيمية2. وأدخل الاستعمار تعليما عصريا. أما مع بزوغ فجر الاستقلال فقد عاد المغرب الى السعي لتحقي الوحدة اللغوية والثقافية. ليسعى المغرب إلى بناء نظام وطني للتعليم، من خلا إرساء قواعد الدولة ومؤسساتها التمثيلية، وذلك من خلا نقتطين أساسيتين وهما:

  • تعميم التمدرس
  • إصلاح النظام التعليمي الموروث عن عهد الاستعمار

أما الاهتمام بمجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فلا نجد له أثرا قبل سنة 2000 مع “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، ولا حتى الإرهاصات الأولية لهذا المجال، وذلك نظرا لأن هذا الجانب لم يعرف اهتماما كبيرا من لدن أغلب الدول إلا مع بداية العُشرية الأخيرة من القرن العشرين بالنظر إلى التطور المُتسارع لهذه التكنولوجيا مع الانترنيت والحواسيب الشخصية.

فترة ديباجة إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس (2000-2005)

تعتبر سنة 2000 إذن هي السنة الفعلية التي سيتم فيها التأكيد على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس. وهو ما نَصّ عليه “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، في الدعامة العاشرة من المجال المُتعلق بالرفع من جودة التربية والتكوين على أهمية إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس، حيث نَصت المادة 119 منه على أنه:

سعيا لتحقيق التوظيف الأمثل للموارد التربوية ولجلب أكبر فائدة ممكنة من التكنولوجيات الحديثة، يتم الاعتماد على التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال وخاصة في مجال التكوين المُستمر3.

ويمكن أن تستخدم هذه التكنولوجيات في مجالات عدة:

كمُعالجة بعض حالات صعوبة التّمَدرس والتكوين المستمر؛ والاستعانة بالتعليم عن بُعد في مستويات التعليم الإعدادي الثانوي في المناطق المعزولة خاصة؛ وكذا لتحقيق تكافؤ الفُرص، بالاستفادة من مصادر المعلومات، وبنوك المعطيات، وشبكات التواصل، للتقليل من مُشكلة النُّدرة والتوزيع غير المتساوي للخزانات والوثائق المرجعية…إلخ؛ في هذه المرحلة يظهر جليا التعبير عن هذه الرغبة في ادماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس، ويضم نداء صريحا لذلك في المادة الموالية (المادة 121 من الدعامة العاشرة من الميثاق). المُزاوجة بين مجالي التكنولوجيا والتعليم في العملية التعليمية- التعلمية، فرضت على النُّظم التعليمية إحداث نقلة نوعية في الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها لتنضاف المهارات التي تتطلبها الحياة في عصر المعلومات، ومنها مهارات التعلم الذاتي، والتعامل مع التكنولوجيات الحديثة، ومهارة إدارة الذات، بدلا من التركيز على المعارف التي أصبحت مُتواجدة بكثرة على شبكة الأنترنيت.

في هذا النطاق ستنطلق أوراش في هذا الاتجاه، كبناء وتجهيز قاعات متعددة الوسائط بكل مؤسسة تعليمية، رغم ما عرفه هذا الورش من مشاكل كقِلة العتاد المعلوماتي من جهة، ومن سيكون مُنشط القاعة مُتعددة الوسائط من جهة ثانية، حيث يُشْترط في هذا المُنشط أن يملك مهارات في المعلوميات، وهو الأمر الذي لا يُتاح دائما4.

فترة تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس(GENIE) (من 2006- إلى الآن)

في هذا الإطار يأتي “البرنامج الاستعجالي”، والذي يُعد نفسا جديدا للإصلاح التربوي بالمغرب، وهو يمثل الإجراءات الفِعلية لتسريع وثيرة الإصلاح والتنزيل العملي لِما نص عليه الميثاق. إذ بدوره يؤكد على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس، إذ أفرد لها مشروعا خاصا تحت اسم (E1 P10) تحت عنوان: “إدماج تقنيات الإعلام والتواصل وكذا التجديد في التعلمات”، حيث أكد هذا المشروع على خمس نقاط وهي كالتالي5

  1. تحسين آليات قيادة برنامج “جيني”؛
  2. وضع استراتيجيات للتجهيز تهدف إلى ادماج الإعلاميات في المحيط البيداغوجي للتلاميذ؛
  3. وضع استراتيجية للتكوين ملائمة للحاجيات المحلية؛
  4. تسريع تطوير المضامين الرقمية؛
  5. وضع استراتيجية فعالة للتغيير.

ويأتي برنامج “جيني” كأحد المشاريع المُهَيكلة للورش الوطني “المغرب الرقمي 2013”، وهو الذي يؤكد على الأهداف التالية6:

  1. جعل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مُحركا للتنمية البشرية؛
  2. جعل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مصدرا للإنتاجية وقيمة مُضافة لباقي القطاعات الاقتصادية وللإدارة العمومية؛
  3. جعل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أحد دعامات الاقتصاد؛
  4. جعل المغرب في قلب المنظومة التكنولوجية الجهوية، ولذلك فهو يُعتبر في صميم هذه الرؤية في مجال التربية والتكوين الذي يُعتبر أساسا لمُختلف المجالات الأخرى.

يتكون برنامج “جيني” من أربعة محاور أساسية، محور البنية التحتية ومحور التكوين ثم محور الموارد الرقمية، ثم المحور المُكمل وهو محور تطوير الاستعمالات.

محور البنية التحتية

يهدف هذا المحور إلى تجهيز المؤسسات التعليمية بقاعة متعددة الوسائط حسب بنية المؤسسة، وقد حُددت ساعة الاستفادة من هذه القاعة في ساعة واحدة لكل مُدرس(ة) بالابتدائي، وتُجهز هذه القاعة بحواسيب ومِسْلاط والربط بالأنترنيت وطابعة. ولتعميم الاستعمال على مُختلف الأساتذة واستخدامها داخل الحجرات الدراسية دون الحاجة إلى الانتقال إلى القاعة المتعددة الوسائط، مُنحت كل مؤسسة حقيبة مُتعددة الوسائط وذلك في الفترة ما بين 2009 و2013.

محور التكوين

كان هدف برنامج “جيني”، في الفترة (2009-2013) هو تكوين ما مجموعه 209702 إطار تربوي في مصوغات “تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطوير الأداء المهني”  ما يُعرف اختصارا بـــ : (PDP.TICE)، وهذا العدد موزع على مُختلف الفئات، مدرسون ، مدرسون متدربون، ومديرين ثم مفتشين7. وتضم ما يلي:

  • مصوغة المبادئ الأولية في الإعلاميات (12 ساعة)؛
  • مصوغة الجذع المشترك (12 ساعة)؛
  • المصوغات الخاصة لكل فاعل تربوي (24 ساعة).

إلى جانب تكوين (PDP.TICEقامت مديرية البرامج بإنتاج مصوغات أخرى للتكوين، وهي:

  • برنامج “تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والحياة المدرسية” ؛
  • برنامج تكويني في الاستعمالات التربوية للسبورة التفاعلية؛
  • برنامج تكويني في مجال إنتاج السيناريو البيداغوجي والموارد متعددة الوسائط القابلة للاستخدام داخل الفصول الدراسية. وغيرها من التكوينات الحضورية أو عن بعد.

محور الموارد الرقمية

لابد من إعداد وتوفير مضامين رقمية مُوافقة للمنهاج والمقررات المعمول بها في الوسط المغربي، إلى جانب البنية التحتية والتكوين على إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس. لذلك قامت الوزارة الوصية بعدة خطوات في هذا الإطار، ومنها:

  • إحداث “المختبر الوطني للموارد الرقمية”، وهو الذي عُهدت إليه مهمة اقتناء الموارد الرقمية.
  • إنشاء بوابة رقمية (www.taalimtice.ma) تضمن الإعلام حول هذه الموارد من خلال نشرها ووضعها رهن إشارة المُستخدمين.
  • ü      اقتناء موارد رقمية بواسطة طلبات عروض دولية، وذلك لبع المواد كالرياضيات والنشاط العلمي، اللغة العربية، اللغة الفرنسية، والأمازيغية.

وقد بلغت ميزانية اقتناء الموارد الرقمية 63 مليون درهم لاقتناء وتكييف مضامين رقمية مع الخصوصيات الوطنية والبرامج التعليمية، وقد خُصص منها للابتدائي 19 مليون درهم.

محور تطوير استعمالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم

هذا المحور ركز فيه البرنامج على العمليات التالية:

  1. عملية التحسيس: تحسيس كافة الفاعلين والمتدخلين التربويين على استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس من خلال مخطط تواصلي مُحكم؛
  2. عملية الإعلام والتعريف: من خلال البحث عن الممارسات التربوية الجيدة في مجال إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس، والعمل على رصدها وتوثيقها ونشرها على البوابة الإلكترونية الخاصة بذلك (تعليم تيس)؛
  3. عملية المصاحبة: وتقوم بتقديم الدعم المنهجي والتطبيقي لهؤلاء المتعلمين، من خلال ورشات إعلام- تأطير وطنيا وجهويا ومحليا. وبالتالي يُحقق تتبع مجتمعات الممارسة والتشبيك بينهم (عن طريق وسائل التواصل والعمل التشاركي)؛
  4. عملية تتبع وتقييم: يعمل المرصد الوطني لاستعمال (ت.م.إ.ت)، إلى القيام بتتبع يقظ لمؤشرات الاستعمال، والعمل على دعم صيرورة الادماج من خلال من خلا تقارير عن الدراسات التي يقوم بإنجازها في هذا الصدد.

وعموما فالمحاور الأربعة تتظافر في سبيل تحقيق ادماج أعم لـ : تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس، فلابد من توفير بنية تحتية لازمة وبالشكل الكافي ثم تكوين الأطر التربوية بكل أطيافها على استخدامها، ثم توفير الموارد الرقمية اللازمة لمنح الحياة للبنية التحتية الموجودة فهي عصب هذه العملية الذي يمكن من جريان الدم في هذا النسق المتكامل، ولا مناص في الأخير من تقييم وتتبع سير هذا الإدماج لضمان سيره بالشكل المطلوب وفي المسار الصحيح.

مراجع المقالة

  1. المجلس الأعلى للحسابات: تقرير بشأن تقييم استراتيجية المغرب الرقمي، مرجع سابق، ص: 7.
  2. الماروني، المكي: الإصلاح التعليمي بالمغرب 1944- 1956، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة منشورات ودراسات رقم 17، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، المغرب، 1996، ص: 13-14.
  3. وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الدعامة العاشرة: استعمال التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل، المادة 119، 1999، ص: 40. (يُنظر كذلك المادة 120، ص: 40-41).
  4. المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية: دليل استعمال القاعات المتعددة الوسائط ميثاق استعمال القاعات المتعددة الوسائط.
  5. المملكة المغربية، وزارة التربية الوطني: البرنامج الإستعجالي 2009-2012، المجال 1، المشروع E1 P10.
  6. المجلس الأعلى للحسابات: تقرير بشأن تقييم استراتيجية المغرب الرقمي، ص: 25-27.
  7. المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية: برنامج GENIE تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم، القطب البيداغوجي E1. P10، ص: 5.

الكاتب: ذ. رفـــيـــق جـــهـــي