الرئيسية / بيداغوجيا عامة / الفلسفة والدين: الإشكالية القديمة والراهنة

الفلسفة والدين: الإشكالية القديمة والراهنة

 

الفلسفة والدين: الإشكالية القديمة والراهنة

مدخل للإشكالات المعاصرة

(إن هذا المقال إفتتاحي للعديد من المقالات التي سنعمل على نشرها تباعا، في هذا الموضوع، والذي نؤسس من خلاله لتناول العديد من القضايا الاشكالية التي يطرحها هذين المفهومين)

 

تمهيد

أعتقد أن الفلسفة الإسلامية في بدايتها انطلقت انطلاقة مهادنة أمام الدين، وخادمة له في جوانب معينة، “علم الكلام” كان بمثابة الخطوة الأولى في الفلسفة العربية الإسلامية، ويقدم كعلم يراد منه إثبات العقائد الدينية لغير المسلمين بإيراد الحجج والبراهين على القضايا الدينية التي تعتمد على النقل.

فعلم الكلام هو أول ساحة تشهد صور عديدة للعقل المسلم قبل الدخول في أعماق الفلسفة، مع الترجمات التي ساهم فيها الحكام العرب وعملوا على تشجيعها (بيت الحكمة مثلا)، لكتب اليونان والهند وفارس (من طب وهندسة وفلسفة بكل فروعها: المنطق، الإلهيات، السياسة، الأخلاق…)، إنهم لم يكتفوا بترجمتها بل ودراستها وشرحها ووضع تلاخيص وتفاسير لها.

فوقع بذلك بين أيديهم وفي أنظارهم نظريات مخالفة لما قرره النقل الديني الإسلامي (في مسائل مثل القول في العالم: هل هو قديم أم حديث، وعلم الله بالجزئيات، وبعث الأجساد…الخ)؛ واختلاف المنقول والمأثور من الدين الإسلامي مع الفلسفات الأخرى الدخيلة، هو ما حذا بفلاسفة الإسلام إلى إعمال منهج توفيقي بين العقل والنقل/ الفلسفة والدين/ الشريعة والحكمة.

ذلك المنهج الذي سيطر على الفلاسفة الإسلاميين/ الفلسفة في الإسلام سيطرة شاملة_ إلى حد ما لدى “الكندي” مرورا بـ“الفارابي” في الشرق على سبيل المثال لا الحصر، و”ابن طفيل” و”ابن رشد” في الغرب.

فلما كانت إشكالية النقل والعقل، إشكالية معرفية فلسفية تناولها الفلاسفة المسلمون، فلا يكاد يكون فيها من فيلسوف إسلامي لم يعالجها من قريب أو بعيد صراحة أو ضمنيا.

يمكن القول ان هذا الإشكال – الفلسفة والدين – دخيل على الفلسفة الاسلامية، وكان أساسه أساس إيديولوجي قائم على الفصل الذي كان سائدا لدى الفلاسفة اليونانيين بين الجسد والروح والسيد والعبد، أما الفلسفة الإسلامية فهي تقوم على الجمع بين ذلك وعلى أن هناك علاقة جدلية بينهما.

يمكن القول ان فيلسوف قرطبة ابن رشد، نجده يقدم نظرة عقلانية واقعية، أساسها أن الحق لا يضاد الحق بل يشهد له، لكن لا ينبغي دمج أحدهما في الآخر لحفظ خصوصية كل منهما، إذ ليس ما في الدين مثالات لما في الفلسفة، على عكس ما قال به الكندي أو الفارابي وغيرهم، كل ما ينبغي هو تطوير كل منهما من الداخل لكي يصبح العقل حاضرا في الدين وتصبح الفلسفة متفهمة للدين فيتجهان نحو نفس الحقيقة.

هذا الطرح الذي ذهب إليه ابن رشد هو الذي يسمح لنا باستباق الأحداث والقول بأن إشكال العقل أو النقل/ الفلسفة والدين/ الحكمة والشريعة، هو إشكال دخيل على الفلسفة الإسلامية، وكان أساسه أساس إيديولوجي قائم على الفصل الذي كان سائدا لدى الفلاسفة اليونانيين بين الجسد والروح والسيد والعبد، أما الفلسفة الإسلامية فهي تقوم على الجمع بين ذلك وعلى أن هناك علاقة جدلية بينهما.

هكذا حاولنا مقاربة ذلك الإشكال ومحاولة منا للإجابة على بعض الأسئلة المطروحة فيه، مساهمة منا لرفع بعض اللبس والحرج وإزاحة التصور الخاطئ عنه.

ومحاولة لفتحه عن الآفاق الممكنة له، وهذا هو الأهم بالنسبة لنا. إذ سنحاول البحث في مختلف الحيثيات التي تتعلق بهما، كالخلاف (وليس الاختلاف) المفتعل والمصطنع بين أساتذة الفلسفة والتربية الإسلامية داخل المؤسسات التعليمية، وكذا الأحزاب والنقابات والفصائل الطلابية وغيرهم.

 

الفلسفة والدين في علم الكلام

يحتل علم الكلام مكانة هامة في الفلسفة الإسلامية من جهة، وبين علوم الدين من جهة ثانية. لذلك لابد من تعريفه بداية قبل الخوض في آراء المتكلمين حول الإشكالية الدين والفلسفة.

نجد محمد علي التهانوي يعرفه بقوله:

«علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبهة، فالمراد بالعلم معناه الأعم، والتصديق مطلقا، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلف بان يقال علم أي معلوم يقتدر معه أي مع العلم به» (1).

يرى التهانوي من خلال النص أن المتكلم يأخذ العقائد الدينية، ثم يستدل عليها بأدلة عقلية. إذ أن هدف علم الكلام هو: الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان وإرشاد المرشدين بإيضاح الحجة لهم، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ الدين من أن يزلزلها شبهة المبطلين.

وعلم الكلام _حسب التهانوي_ هو الذي تبنى عليه كل العلوم الشرعية، لأنه ما لم يثبت وجود صانع، عالم، قادر، مرسل للرسل منزلا للكتب؛ لم يتصور علم تفسير ولا علم فقه وأصوله، فكلها علوم تتوقف على علم الكلام ومقتبسة منه (2).

وتميز تعريفات أخرى بين علم الكلام والفلسفة وبين الفقه. هكذا نجد الفارابي يميز بين الفقه وعلم الكلام في قوله:

«الفقه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمة ويجعلها أصولا، فيستنبط منها الأشياء اللازمة عنها، والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط منها أشياء  أخرى» (3).

أما فيما يتعلق بالتفرقة بين الفلسفة وعلم الكلام، فقد أشار إليه ابن خلدون، بتقسيمه بين نظر المتكلمين، الذين يستدلون بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته، ويعتبرون أن الموضوعات الطبيعية تدل على الفاعل؛ ونظر الفيلسوف في الإلهيات الذي هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته (4). فالمتكلم إذا عالج موضوعا من مواضيع الطبيعة يريد إثبات اعتقادا دينيا لديه. فالمتكلم يستند إلى ما جاء به الدين من اعتقادات ثم يلتمس الحجج العقلية التي تدعمها؛ أما الفيلسوف فيبحث بعقله ويرى حقا ما توصل إليه بالدليل دون نظر إلى ما جاء به الدين، والمتكلم يعتقد ثم يستدل أما الفيلسوف فيستدل ثم يعتقد.

هذه الفكرة الأخيرة هي عصب الإشكال بين الفرق الكلامية، فمنهم من يتبع النقل (الكتاب والسنة) ثم يستدل على ذلك بأدلة عقلية (نموذج الأشاعرة)؛ في حين هناك من يضع العقل مقياسا للنقل، لا يأخذ من هذا الأخير إلا ما وافق العقل (نموذج المعتزلة). وهكذا إن كانت المعتزلة تأخذ بالعقل لفهم قضايا الدين وتقومون بالتأويل؛ فإن أهل السنة، يأخذون بالكتاب والسنة دون تأويل.

هذا الاختلاف والتضارب بين أنصار العقل والنقل داخل الفرق الكلامية الإسلامية، هو الذي سينتقل إلى المستوى العام بين الفلسفة والدين وسيتجلى لدى الفلاسفة الإسلاميين فيما بعد.

إن “أهل السنة” من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم، لم يكونوا يعارضون النصوص بعقولهم، ولا يؤسسون دينا غير ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم). وإذا أرادوا معرفة شيء في الدين نظروا في قول الله والرسول فمنهما يستدل وفيهما ينظرون ويتفكرون، هذا مذهب أهل السنة.

أما المعتزلة ومن حذا حذوهم، لا يعتمدون على ما تلقوه عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كأصل؛ بل على ما يرونه أو يستسيغونه بعقولهم، وان وجدوه يوافقه أخذوه وإذا وجدوه يخالفه أعرضوا عنه. العقل عند المعتزلة وسيلة للتأويل، أما عند أهل السنة فهو وسيلة لفهمها (أي السنة) فقط.

أما من جهة أخرى فهناك الأشاعرة، فبعد أن انفصل الأشعري عن المعتزلة أخذ يهاجمهم بشكل مباشر بتكفيرهم، وبشكل غير مباشر، الذي يتجلى في كثرة استعماله للأحاديث، لإرضاء أهل السنة؛ وبذلك كان يتوسط بين العقلانيين (المعتزلة) والنقلانيين (أهل الحديث).

هكذا كان الصراع محتدما بين من يحمل راية الفلسفة والعقل، ومن جهة مقابلة الإيمان والوحي والنقل عموما. لكن هذا الصراع بقي بين الفرق الكلامية نفسها.

كان لحركة الترجمة أثرها البليغ في الفلسفة الإسلامية. فحينما بدأت الفلسفة اليونانية تنتقل عبر ترجمة نصوصها إلى العالم الإسلامي تشكلت تجاهها مواقف مختلفة، بحكم أن المنظومتين الإسلامية واليونانية مختلفتين.

وأخذ البعض يتساءل عن جدوى نقل وترجمة تلك الفلسفة؟ بدعوى أن المسلمين لديهم كتابهم المقدس “القران الكريم” يجيب عن كل الأسئلة؟

وقد كان فعلا لدى بعض الفقهاء وعلماء الدين موقف المعارضة للفلسفة، واخذوا ينشرون أفكارهم في جمهور المسلمين.

وتشكل موقف آخر، شيئا فشيئا، في نطاق بعض الفرق الكلامية والفلاسفة الإسلاميين، الذين وجدوا في الفلسفة أكبر سند لهم، بكونها تساهم في تقوية الحجج وتدعيم البراهين الإيمانية (النقلية) القبلية بالأدلة والبراهين العقلية، وتقوم باستخدام العقل في الآيات القرآنية.

من العوامل الداخلية الأساسية أيضا – إلى جانب الترجمة – في نشأة” الفلسفة الإسلامية “: ظهور الإسلام في الجزيرة العربية ونزول القرآن الكريم وحثه على استعمال العقل…الخ؛ ولكن قبل ذلك لابد من الوقوف على الفرق بين “الفلسفة الإسلامية” و”الفلسفة في الإسلام”. 

وللقيام بذلك فانه لابد من التمييز بين موقفين متعارضين من الفلسفة الإسلامية:

من جهة هناك موقف المؤرخين المهتمين العرب بالفلسفة الإسلامية. وهكذا نجد علي سامي النشار يقول: «ولم يتأثر المتكلمون في مباحثهم بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة أبدا، إذ إن بين جوهر الفلسفتين تعارضا عنيفا» (5). فهو يعتبر “الفلسفة الإسلامية” (والتي تشمل علم الكلام والتصوف ثم الفقهاء)، هي فلسفة إسلامية لا علاقة لها بأي فلسفة خارجة عنها.

ومن جهة أخرى هناك موقف مخالف، موقف المستشرقين من الفلسفة الإسلامية، فهم يرون «ان الفلسفة الإسلامية ليست إلا فلسفة يونانية مكتوبة بالحروف العربية» (6)؛ على لسان شيخهم ارسون، إذ يمكن إرجاع الفلسفة الإسلامية إلى أصولها اليونانية. ويؤكد دي بور” في كتابه” تاريخ الفلسفة الإسلامية“، أن الفلسفة الإسلامية ليست إلا بضاعة مستوردة من اليونان، ولم تكن من إنتاجه الخاص.

عودا على بدئ، نقول بأن ذلك التمييز بين الرأيين السالفين تجاه “الفلسفة الإسلامية” ينم على أن هناك عوامل داخلية لنشأة الفلسفة الإسلامية، عند من يرى بأن “الفلسفة الإسلامية” ناتجة من الواقع العربي الإسلامي آنذاك؛ وكذا العوامل الخارجية لنشأتها التي يقول بها المستشرقون، والتي تتمثل أساسا في حركة الترجمة (ترجمة الفلسفة اليونانية _خاصة_ إلى اللغة العربية). وتتمثل الداخلية بشكل عام في ظهور الإسلام، الذي استلزم منذ البداية إقامة الحجة والدليل العقلي، لكي يصدقه الجاحدون، ولكي يفحم به أهل الديانات الأخرى(7).

من ثمة كان نزول القرآن الكريم، الذي يحتوي على الآيات المحكمة وكذا المتشابهة، هذه الأخيرة التي تتطلب التأويل، والذي لابد وان يستخدم فيه العقل. وكما انه هو نفسه يحتوي عدة آيات تحث على استعمال العقل وعلى التدبر، والتفكر، والتعقل.

ومن الأشياء التي ساهمت كذلك في نشأة “الفلسفة الإسلامية“، ما يتطلبه الجدال مع أهل الكتاب، أن يردوا عليهم بالبراهين والحجة والدلائل العقلية. فلما دخلت شرائح أخرى إلى الإسلام، إلى جانب ذلك نجد التشجيع الذي تلقاه العلماء والحكماء (في فترات بعينها على الأقل، مثلا مع الخليفة العباسي المأمون)، لإيجاد الحلول لما يتخبط فيه المجتمع الإسلامي من مشاكل (8).

فيما يخص العوامل الخارجية، فإنها تتلخص في الترجمة، التي ابتدأت في العصر الأموي لتزدهر في عصر الخليفة المأمون. إلا أنه ينبغي الإشارة، أنه لولا تلك العوامل الداخلية لما كانت تلك العوامل الخارجية، التي كانت نتيجة تفاعل الفلسفة اليونانية – خاصة- والدين الإسلامي (9).

 

الفلسفة والدين في المشرق الاسلامي

لما كان هناك من لم يتقبل تلك الفلسفة اليونانية ورفضها، كان في المقابل من وقف إلى جانب تلك الفلسفة وحاول القيام بالتوفيق بينهما (الفلسفة اليونانية والدين الإسلامي)؛ أو ما عبر عنه محمد عابد الجابري بقوله: أن فلاسفة الإسلام لم يكن غرضهم هو بناء تصورات على أسس جديدة، بل جعل التصور الديني مقبولا من طرف العقل وجعل التصور العقلي مشروعا في نظر الإسلام (10).

ممن تقبلوا تلك الفلسفة وحاولوا التوفيق بينها وبين الدين (الإسلامي خاصة)، نجد الكندي، الذي يعتبر أول فيلسوف عربي إسلامي؛ وكذا المعلم الثاني، أبو نصر الفارابي.

إجمالا، قد تبينا علاقة الفلسفة والملة لدى الفارابي. فهو يبتدئ من أن الفلسفات مهما اختلفت فإنها تتشابه في كونها كلها تسعى نحو الحقيقة، وهنا قام الفارابي بالجمع بين رأي الحكيمين: أرسطو وأفلاطون. لينتقل إلى مستوى أوسع يربط فيه الدين بالفلسفة.

فالفلسفة والدين يسعيان نحو نفس الهدف، وهو الحق. ولا يختلفان إلا في الطريق، إذ أن كل منهما له طريقه للوصول إلى الحق. فالفلسفة تسلك مسلك البرهان؛ في حين أن الدين يتبع طريق التخيل (الايمان)، فهو (أي الدين) يستند على النقل.

إذن، هكذا تظهر الفلسفة الإسلامية في المشرق العربي الاسلامي، من خلال هذين النموذجين “الكندي” و” الفارابي” مثلا. فبعد أن ترجمت كتب الفلسفة اليونانية إلى العربية، تشكل تجاهها موقفين:

 أحدهما: يقف موقف الرفض لها والنهي عن دراستها، بدعوى أنها كفر وإلحاد، هذا الموقف يمثله مذهب المتقدمين: الذي يضم بعض المتكلمين والمتصوفة والفقهاء.

    ثانيها: فريق متأثر بالفلسفة اليونانية، واتخذ المنهج التوفيقي بين الفلسفة اليونانية والدين الإسلامي، هذا مذهب المتأخرين من الفلاسفة الإسلاميين.

وجه الغزالي انتقادات قاسية للفلسفة والفلاسفة في المشرق، حتى أنها كانت مدار النقاش بينه وبين “ابن رشد”. أما في فارس فقد استمر التقليد السينيوي فيها مرتبطا بالأصالة القومية، حتى ابتعدت عن الفلسفة العربية الإسلامية ودخلت دائرة الفلسفة الاشراقية الفارسية (11).

إن كان الأمر إذن كذلك بالنسبة للشرق، فماذا عن الغرب؟

 

الفلسفة والدين في المغرب الاسلامي

كان للثورة الثقافية التي دشنها ابن تومرت وخلفاؤه من بعده أثر في استعادة الفلسفة العربية وعيها بذاتها (12)، اذ كانت الأندلس فيما بين سنة 1146م إلى سنة 1229م في أيدي الموحدين، بعد أن كانت في يد ملوك الطوائف، فقد بايع الناس ابن تومرت على أنه المهدي المنتظر، وقد استتب لهم الأمن في مراكش. ورأى على أن العالم الإسلامي في انهيار، وأن الدولة العباسية في العراق ودولة الفاطميين في المغرب منطوية على الكفر؛ ورأى حل كل ذلك في إنشاء خلافة إسلامية عامة تضم تحت لوائها ذلك العالم الإسلامي بكامله، وتتولى شؤونه الدولة الموحدية. وقد جعل شعار دولته: “العظمة والدين والتجديد“، وحاولت بذلك فرض الدين والتدين، وابتدعت فكرة المهدوية (*) في المغرب، ونشرت عقائد الأشعرية والشيعة.

وقد عملت من جانب آخر على تشجيع العلم والعلماء، وأنشأت المدارس، واستدعت كبار العلماء، وحثت على تدوين الكتب، وعقدت المناظرات، وأنشأت المجامع العلمية وخزائن الكتب. وكل ذلك ساهم فيه مختلف الخلفاء الموحدين سواء: ابن تومرت أو عبد المومن، وكذا حفيده أبو يعقوب يوسف. ولكن الملاحظ أنهم كانوا شديدي الاهتمام بالدين، فكان هدفهم الأول دينيا، موجه إلى خدمة عقيدة خاصة قائمة على تعاليم الغزالي أساسا (13).

إلا أنه رغم ذلك فان ملوك الموحدين كانوا كفيلين باستدعاء العلماء من كل صوب لعقد المجامع العلمية والفلسفية في سبيل المذاكرة والمناظرة (14).

ويمكن إجمال عوامل تطور الفكر في الأندلس والمغرب في ثلاثة عوامل (15):

أولها: غياب الموروث القديم، فلم تشهد أي انبعاث للأفكار القديمة السابقة على الإسلام، فالفتح الإسلامي قام بعملية مسح الطاولة.

 ثانيها: استقلال المغرب والأندلس عن الخلافة العباسية ودخولهما معها، ثم مع الخلافة الفاطمية، في صراع سياسي إيديولوجي ومناقشة وصراع ثقافي واسع. المغرب والأندلس ظلا منذ الفتح الإسلامي يتحركان في دائرة إسلام الفاتحين الأول، إسلام الصحابة والتابعين، الذين يعتمدون على الرواية والنقل؛ خلافا للشرق الذي تعددت فيه المذاهب.

ثالثها: وثالث العوامل التي كان لها دور رئيسي في تحديد المسار الذي عرفه التطور الفكري في الأندلس، يتعلق الأمر بالسلطة التي مارسها الفقهاء، في ميدان العلم والتعليم، سيطرة إيديولوجية متخذين منها طريق السيطرة المادية.

إلا أنه _رغم كل ذلك_ كان ابن طفيل يشجع بعضا من هؤلاء، على الإكثار من استدعاء العلماء والفلاسفة. لتزدهر بذلك الحركة العلمية، رغم التضييق والتزمت، إذ كان للفلسفة حماتها ومتذوقوها حتى في البلاطات.

ازدهر بذلك الفقه في المغرب على عهدهم، وكانوا يميلون إلى المذهب الظاهري، ضدا على المذهب المالكي. وكذا ازدهرت الفلسفة في عهد السلطان المنصور يعقوب بن يوسف وكانت لها نهضة مرموقة، إذ كان السلطان نفسه منشغلا بها وجمع كتبها. ورجالاتها ومنهم: ابن طفيل؛ وكان هذا الأخير يبحث عن الفلاسفة ويجمعهم في مجلس المنصور، وكان منهم ابن رشد(16).

وبالتالي فمند البداية يظهر على أن الفلسفة في المغرب والأندلس تنطلق من رفض الطريق الذي سلكه بها فلاسفة المشرق. هكذا تناول ابن طفيل أسرار الحكمة المشرقية بروح نقدية واقعية. وكذلك بالنسبة للخطاب الرشدي الذي يعتبر عقلانية نقدية واقعية (17).

وبالجملة، فإن الخطاب الفلسفي الرشدي عقلانية نقدية واقعية. فقد تحرر ابن رشد من هيمنة الجهازين الإبستيمولوجي والأيديولوجي، الجهاز الابستيمولوجي المتمثل في الأفلاطونية المحدثة، والأيديولوجي المتمثل في الظروف الاجتماعية والتاريخية المتمثلة في سيادة أفكار الغزالي في عهد عبد المومن. فاتجه إلى معالجة العلاقة بين الدين والفلسفة بعقلانية واقعية تحفظ لكل من الدين والفلسفة هويته واستقلاله، وتسير بهما في اتجاه واحد، هو اتجاه البحث عن الحقيقة، مع اختلاف منطلقات كل منهما وأسسه.

على سبيل الاختصار أقول:

1_أن العلاقة بين الدين والفلسفة لا تخلوا من حالتين:

الحالة الأولى: تماثل بين بعض العقائد الدينية والنتائج الفلسفية.

الحالة الثانية: حين يحدث التصادم بينهما، كالقول على أن عملية الخلق قائمة على صدور أو فيض لا على إيجاد من عدم كما يقول بذلك الدين.

2_ لما كان الأمر كذلك، إذ صادف الفلاسفة أشياء تخالف الدين، في أوج حركة الترجمة، أخذوا في التوفيق بينهما.

3_ بعدما أخذوا بالتوفيق، كان هناك موقفين من الفلسفات الدخيلة (المنقولة من لغات أخرى)، أحدهما: أعلن الاكتفاء بالمعارف الدينية واللغوية ومباحثها، وهذا اتجاه الفقهاء (كابن حنبل، وابن قدامة وابن تيمية وغيرهم)، ثانيهما: لم يكتف بتلك المعارف فتوجه إلى المباحث العقلية والفلسفية، وتمثله الفرق الكلامية ( كالمعتزلة و الأشاعرة)، وكذلك معظم الفلاسفة الإسلاميين منذ الكندي إلى ابن رشد.

4_ الفلاسفة الذين أخذوا بالمنهج التوفيقي ظنوا على غرار اليونانيين على أن كلامهم في الإلهيات برهاني، والأمر ليس كذلك، لأنه إذا كان كلامهم في الرياضيات برهاني لا يمكن أن يكون كذلك في الإلهيات، كما يذهب إلى ذلك الغزالي. وهذا أساس ذهابهم إلى الجمع بين الدين والفلسفة. هناك اختلاف بين المنظومتين الإسلامية واليونانية.

5_ الفلاسفة الإسلاميين الذين أخذوا بالمنهج التوفيقي، وقعوا في مأزق إيديولوجي، وهو الأخذ بنفس المنهج التجزيئي الذي يفصل بين الروح والجسد، الذي نتج عنه المجتمع العبودي، أن الحكم والفكر من حظ الفلاسفة، ومن التمييز بين الخاصة والعامة، وكذا التمييز بين المثال وصورته، وجعلوا الحقيقة في عالم المثل.

6_ ومن ثمة اختلاف المنهج الذي تنبني عليه كل من الفلسفة الإسلامية والفلسفة اليونانية (كما أخذها الفلاسفة الإسلاميون)، إذ أن الأولى قائمة على “قياس الغائب بالشاهد” أو ما يسمى بالسبر والتقسيم، أو ما يعرف حاليا بالمنهج الاستقرائي؛ على عكس الفلسفة اليونانية التي تنطلق من المثال، “قياس الشاهد بالغائب“. من ثمة كان الفرق بين منهج المتقدمين و المتأخرين من الفلاسفة المسلمين، فاتخذ المتقدمون ( المتكلمين) منهج قياس الغائب بالشاهد، في حين أن المتأخرين أخذوا بالمنهج اليوناني، فاعتبروا على أن كلام الفلاسفة في الرياضيات برهاني. ولابد من الإشارة إلى أنه في سياق بحثنا عن المراجع في هذا المقال، وجدنا على أن موقف كارل ماركس من الدين، يلتقي مع منهج المتقدمين في الفلسفة الإسلامية (المتكلمين الذين يأخذون بمنهج قياس الغائب على الشاهد)، فمترجم كتابه هو و فرديريك إنجلز، (ياسين الحافظ) كتب في مقدمته أخدا عن المقدمة الفرنسية: « لفهم الظواهر الدينية، لا ينبغي الهبوط من السماء إلى الأرض، بل ينبغي فهم السماء انطلاقا من الأرض »(18).

7_ ونشير لمسألة مهمة، أنه لما كان إشكال العقل والنقل، إشكال محدث في الفلسفة الإسلامية، إذ كان أساس وجوده في الفلسفة الإسلامية (أو على الأصح الفلسفة في الإسلام)، هو وجود مسائل تختلف فيها المنظومة الإسلامية مع اليونانية.      الدين الإسلامي مبني على أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع وهذا الأخير لا يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأساس والشرع كالبناء، لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر. العقل كالبصر والنقل كالشعاع ولا يغني البصر بدون شعاع، فكان العقل والنقل نور على نور. وبذلك كان الدين عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما مترابطان، لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر(19).

8_هذا الإشكال كما عرفته الفلسفة الإسلامية، سيكون له تأتير

على الفلسفة الأوربية بعد القرون الوسطى، هذا ما سيتجلى عند سبينوزا مثلا، في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة”. وكذا كان له تأثير على الفلسفة اليهودية، مع موسى ابن ميمون على سبيل المثال لا الحصر.   

في الأخير لابد من الإشارة إلى أن هناك من الفلاسفة

الإسلاميين الذين لا يأخذون بالمنهج التوفيقي، بل يقولون بالفصل التام، والتعارض بين الدين والفلسفة، كـالسجستاني وأبو حيان التوحيدي، على سبيل المثال لا الحصر، فعلى ماذا ينبني ذلك التعارض؟

 

هكذا كان القول، وعند هذا المقام ينتهي قولي. لكم القول في التعليق…

 

 


الهوامش

(1) التهانوي، محمد علي، موسوعة مصطلحات الفنون والعلوم، تقديم وإشراف ومراجعة رفيق الجعم، تحقيق علي دحروج، ترجمة د.عبد الله الخالدي، الجزء الأول، مكتبة لبنان ناشرون ، ص: 29

(2) المرجع نفسه.

(3) صبحي، احمد محمود، في علم الكلام، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين، ج.1، ط.5، دار النهضة العربية، بيروت، 1985، ص: 17

(4) المرجع نفسه، ص: 18

(5) الجابري، محمد عابد، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، ط.2، المركز العربي، الدار البيضاء، ص: 45

(6) المرجع نفسه، ص:45-46

(7) النشار، مصطفى، مدخل جديد إلى الفلسفة، ط.1، دار قباء، القاهرة، 1989م، ص :85

(8) المرجع نفسه، ص: 95

(9) المرجع نفسه، ونفس الصفحة.

(10) الجابري، محمد عابد، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، ط.2، المركز العربي، الدار البيضاء،ص:46

(11) المرجع نفسه، ص: 57

(12) المرجع نفسه، ونفس الصفحة.

(*) المهدوية: نسبة لمن يقول بمجيء المهدي المنتظر (الإمام المهدي)، الذي ستقوم على يده دولة العدل المبنية على التكامل والشمولية _ وهذا ما بنى عليه ابن تومرت خلافته_ كالتي بعث عليها محمد (صلى الله عليه وسلم).

(13) الجابري، محمد عابد، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط.2، 1982م، ص: 59

(14) الفاخوري، حنا والجر، خليل، تاريخ الفلسفة العربة، دار الجيل، بيروت،1993م، ج.2، ص: 342

(15) نفس المرجع السابق، ص: 342-343

(16) الفاخوري، حنا والجر، خليل، تاريخ الفلسفة العربية، دار الجيل، بيروت،1993م، ج.2، ص: 343

(17) الجابري، محمد عابد نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط.2، 1982م، ص: 59-60-61-62.

(18) ماركس، كارل، فرديريك إنجلز، حول الدين، ترجمة ياسين الحافظ ، ط.1، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، 1981م، ص:5

(19) الأصفهاني، الراغب، كتاب تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، منشورات بيروت-لبنان، 1983م، ص: 73-74-75

 

 

الكاتب: الأستاذ الباحث رفيق جهي

3 تعليقات

  1. مقال يتطلب من قارئه دراية بالموضوع أولا، قبل أن يغوص به في الأعماق؛ إذ ينتقل به من محاولة القبض عن جذور الإشكالية بين السياسي و الإيديولوجي ثارة، و ثارة أخرى بين المعرفي و الفكري…
    تحياتي

  2. شكرا لتبسيطك لموضوع شائك جدا، و يحتاج للعشرات من الصفحات و ربما أكثر

  3. أصبت أيها المتتبع الرائع، تتبعك للمقالات شرف لي. تحياتي الخالصة

اترك تعليقاً