الرئيسية / بيداغوجيا التعلم / طبيعة عملية الانتباه

طبيعة عملية الانتباه

 

طبيعة عملية الانتباه
واضطرابه والنشاط الزائد لدى الأطفال

ما زلنا مع سلسلة المقالات الخاصة بالبيداغوجيا، فبعدما تمكنا بحمد الله من كتابة مقال في كل تصنيف من التصنيفات التي عمدنا الى ادراجها في الموقع؛ سنعمل على إتمام المقالات الخاصة بكل تصنيف. للتذكير ولوضعكم في الصورة: بالنسبة لهذا التصنيف (بيداغوجيا التعلم)، كان أول مقال هو “العمليات الذهنية” وهي خمسة:
 الانتباه؛
 الحفظ؛
 الفهم؛
 التفكير؛
 التخيل الابداعي؛

في هذا المقال سنتحدث طبيعة الانتباه واضطرابه والنشاط الزائد لدى الأطفال؛ تتمة لموضوع الانتباه.

I. طبيعة عملية الانتباه

تتعدد وجهات النظر حول طبيعة الانتباه وخصائصه المميزة بحيث يمكن إبراز الخصائص التالية للانتباه:
أولا :
ينظر إلى الانتباه على أنه عملية انتقائية لحدث أو مثير و التركيز فيه، فهو يمثل العملية التي يتم من خلالها اختيار بعض المثيرات و التركيز فيها من أجل معالجتها في نظام معالجة المعلومات، وتشير الدراسات أن الإنسان لا يستطيع توجيه الانتباه إلى أكثر من مهمة في نفس الوقت ولكن يستطيع تحويل الانتباه من لآخر بسرعة عالية، وان مسالة محدودية الانتباه الانتقائي أدت إلى ظهور عدة استراتيجيات منها :
إستراتيجية المعالجة المتسلسلة: يتم معالجة المثيرات بتسلسل حسب أهمية المثير.
إستراتيجية المعالجة المتوازية: المعالجة بالتوازي بشكل مستقل عن بعضها البعض(1).
ثانيا :
ينظر إلى الانتباه على انه عملية شعورية في الأصل تتمثل في تركيز الوعي أو الشعور في مثير معين دون غيره من المثيرات الأخرى، والانتباه إليه على نحو انتقائي اختياري تتم معالجته، ويمكن لعملية الانتباه أن تصبح عملية لا شعورية ومكثفة لبعض المثيرات والمواقف، أو في حالة المثيرات أو العمليات المألوفة
فالانتباه عملية اختيارية قد تكون مقصودة أو غير مقصودة، فالانتباه القصدي يحدث على سبيل المثال: عندما يتم اختيار مثير معين على نحو مقصود و التركيز عليه كالاستماع إلى أغنية مثلا بحيث يتم هنا استثناء أو كبح الانتباه إلى أية مصادر أخرى؛ في حين الانتباه غير المقصود يحدث على نحو لا إرادي كالاستجابة الأتوماتيكية في حالة الممارسة إلى مثير خارجي أو داخلي على نحو مفاجئ مثل الانتباه إلى صوت مرتفع أو رائحة شديدة أو ضوء مبهر و غيرها (2).
لقد أظهرت نتائج دراسات “جاكوبي وينلينز” و”جينن” أن الانتباه يكون في الأصل موجها نحو مثيرات محددة ويتطلب التركيز، ولكن بالممارسة والتدريب المكثف يصبح عملية أتوماتيكية لا تتطلب التركيز على بعض المواقف، ويظهر هذا واضحا لدى الأفراد الأكثر تقدما في العمر، في حين أن الأطفال والأفراد الأقل عمرا يعتمدون غالبا على عمليات الانتباه المركزة المكثفة.
لقد اظهرت نتائج دراسات “شنايدر ” في مجال الانتباه البصري أن الانتباه قد يصبح عملية لا شعورية في حالة الممارسة المكثفة لبعض المثيرات والمواقف أو في حالة المثيرات أو العمليات المألوفة ، في حين أن المهمات الجديدة و غير المألوفة تتطلب الانتباه و التركيز أثناء المعالجة، فعلى سبيل المثال: من السهل استرجاع وتذكر الأشياء الموجودة في الشارع الذي تقطن به نظرا لأنه مألوف بالنسبة لك، بحيث لا يتطلب الأمر تركيز الانتباه لموجوداته، في حين إدراك الأشياء في شارع تمر به لمرة واحدة يتطلب مزيدا من توجيه الانتباه وتركيزه.
ثالثا :
هناك من ينظر إلي الانتباه على انه مجهود و حالة استثارة تحدث عندما تصل الانطباعات الحسية عبر الحواس إلى الذاكرة الحسية. وتستند وجهة النظر هذه إلى فكرة أن الفرد عندما يقوم ببعض الأنشطة التي تتطلب تركيز الانتباه مثل العمليات الحسابية أو قيادة السيارة، غالبا ما يبدلون مجهودا عقليا يترافق مع تغيرات فيزيولوجية ففي التجارب التي أجراها “بيتي” و “واجنر” والتي استخدموا فيها أدوات لقياس قطر بؤبؤ العين كدلالة على الانتباه أثناء الاشتغال في عملية عقلية، أظهرت نتائجها أن قطر العين يتوسع أثناء تركيز الانتباه على المهمات، ويزداد اتساعا كلما كانت المهمات المطلوب التركيز فيها يتطلب عمليات عقلية أكثر تعقيدا، أي المهمات الأكثر صعوبة.
رابعا:
ينظر إلى الانتباه على انه طاقة أو مصدر محدود السعة لا يمكن تشتيتها لتنفيذ أكثر من مهمة بنفس الوقت. فحسب وجهة النظر هذه فانه من الصعوبة الانتباه إلى أكثر من مهمة أو تنفيذ عمليتين عقليتين في الوقت نفسه فمثلا لا يمكن لشخص إجراء مكالمتين مع شخصين مختلفين في أن واحد. وتستند وجهة النظر هذه إلى حقيقة مفادها أن المعلومات التي تدخل الذاكرة الحسية يجب الاحتفاظ بها لفترة وجيزة ريثما يتسنى لنظام معالجة المعلومات معالجتها. ونظرا لسعة نظام معالجة المعلومات المحدودة، فغالبا ما يتم توجيه الانتباه على مهمة و إهمال المهمات الأخرى.
خامسا:
من الخصائص التي يتخذها هذا المفهوم، انه عملية الإحاطة وهي من العمليات الحسية التي غالبا ما تكون بصرية أو سمعية، وهي تتمثل إما في تحركات العين عبر المكان أو الصورة التي تواجه العين، وإما في الإنصات بالأدنين لكل ما يصلها من أصوات وتجميعها، فالإحاطة إذن أشبه بعملية المسح للعناصر التي توجد بهذا المكان أو الأصوات التي تصدر منه.

 

II. اضطراب الانتباه والنشاط الزائد

(Attention Déficit et Hyperactivity Disorder(ADHD

يختلف مستوى الانتباه لدى الأفراد تبعا لسلامة كل من الحواس، والناقلات العصبية الحسية ومركز الانتباه في الجهاز العصبي المركزي بالمخ، لذلك نجد أن هناك بعض الأفراد لديهم مستوى مرتفع في الانتباه وبعضهم الآخر لديه مستوى منخفض فيه.
1. تحديد مصطلح اضطراب الانتباه:
يعرف الطفل ذوا اضطراب الانتباه على أنه طفل يعانى من جملة من الأعراض تتمثل في عدم القدرة على المثابرة ويتسم بسرعة النسيان وعدم القدرة على استرجاع ما تم تعلمه بسهولة، وهو اضطراب يمكن التعامل معه و تخفيف حدة أعراضه بهدف مساعدة الطفل على التعلم و ضبط النفس مما يساهم برفع مستوى ثقته بنفسه و مواجهة قسوة الأطفال الآخرين. يتم التعرف على الطفل
غالبا ما بين 5 إلى 9 سنوات و تستمر الأعراض عليه في فترة الطفولة
و المراهقة . كذلك قد تستمر الأعراض أو بعضها في 30- 60% من الحالات إلى مرحلة الرشد.
2. أسباب اضطرابات الانتباه (3):
تتنوع العوامل والأسباب التي تقف خلف اضطرابات الانتباه، منها ما يتعلق بالمخ، ومنها ما يعلق بالوراثة، ومنها ما يعلق بالبيئة، ومنها ما يعلق بالتغذية، ومنها ما يعلق بالطفل ووالديه.

 الأسباب المتعلقة بالمخ:
حيث ينخفض نشاط المخ، خصوصا الفص الأمامي أو تلف بعض خلايا المخ نتيجة نقص الأكسجين بسبب عسر الولادة، أو اختلال التوازن الكيميائي في القواعد الكيميائية للناقلات العصبية، حيث أن كفاءة الناقلات العصبية تلعب دوراً مهماً في كفاءة عمليات الانتباه والتحكم في السلوك الاندفاعي لدى ذوى اضطرابات.
الأسباب المتعلقة بالعوامل الوراثية:
تلعب العوامل الوراثية دورا هاما في إصابة الأطفال باضطراب الانتباه إما بطريقة مباشرة من خلال نقل المورثات خاصة بتلف أو بضعف بعض المراكز العصبية المسؤولة عن الانتباه بالمخ، وإما بطريقة غير مباشرة من خلال نقل المورثات لعيوب تكوينية تؤدي إلى تلف أنسجة المخ.
كما أن ما يربو على (90%) من الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب يوجد بين أفراد أسرهم عضو مصاب بهذا الاضطراب (ADHD) ودراسات أخرى ذكرت أن (25%) من والدي هؤلاء الأطفال كانوا يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة في طفولتهم.
الأسباب المتعلقة بالعوامل البيئية:
بدأ الباحثون يحللون بيئة الطفل المصاب بهذا الاضطراب (ADHD) فوجدوا أنها تمتاز بالتفكك الأسري وسوء التربية والخصومات داخل الأسرة وغالباً تفتقد هذه البيئة للاستقرار والأمن النفسي. بعض الباحثين ربط هذا الاضطراب بالتسمم ببعض السموم والمعادن مثل (معدن الرصاص) الذي يستخدم في طلاء ألعاب الأطفال.
الأسباب المتعلقة بالعوامل البيئية:
حيث أن تناول الطفل كميات كبيرة من الأطعمة الجاهزة، أو الخضراوات والفواكه الملوثة بالمبيدات الحشرية تؤدي إلي إصابته باضطراب الانتباه. لكون أن هناك مواد كالرصاص الموجودة في الأطعمة تزيد نسبتها في الدم، الشيء الذي يؤدي إلى زيادة مستوى اضطراب الانتباه وفرط النشاط الحركي لدى الطفل. كما أن الحلوى والمواد السكرية يؤدي إلى زيادة نشاطه الحركي من خلال زيادة نسبة الطاقة لديه.
الأسباب المتعلقة بالعلاقة بين الطفل ووالديه:
إن أساليب المعاملة الخاطئة التي يتعامل بها بعض الآباء والتي تتسم بالرفض، والإهمال، واللامبالاة بالطفل، والعقاب البدني أو النفسي الشديد والتي تشعر الطفل بأنه منبوذ وغير مرغوب فيه فإنه يؤدي إلى اضطراب الانتباه.
3. مظاهر الاضطراب في سن ما قبل المدرسة:
يبدي العديد من الأطفال الذين لديهم ADHD في سن ما قبل المدرسة سلوكيات حركية نشطة تخلو من الراحة، وتغيرات كبيرة في المزا ج ونوبات من الغضب، ويبدون معرضين للإحباط أكثر من غيرهم، وزمن الانتباه قصير لديهم، كما يظهر الأطفال في هذه المرحلة العمرية مشكلات في اللغة والكلام.
4. مظاهر الاضطراب في سن المدرسة:
في المرحلة العمرية تبدوا المشكلات الدراسية عند الأطفال في الظهور في المنزل حيث توكل له وجبات منزلية تدخل الطفل و الأسرة في معانات حقيقية لإنهائها.
كما أن هؤلاء الأطفال يعانون من صعوبة أداء المهام اليومية الموكلة لهم من طرف الأستاذ. كما يعانون من رفض الآخرين من الأقران لهم نتاجا لسلوكياتهم الاجتماعية من نشاط زائد واندفاع مما يؤدي إلى المبادرة بالقتال مع الآخرين، وكذا تطور أعراض السلوك المعارض، والكذب، ومقاومة الآباء والأساتذة.
5. طبيعة الصعوبات التعليمية لهذه الفئة من الأطفال:
تكون مشكلة عدم الانتباه عند تلاميذ المرحلة الابتدائية في هذه الفئة في مستوى التعليمات الصعبة و الأعمال المدرسية المطلوبة مما يشير على أن لديهم مشاكل في التركيز أو التشتت الذهني، الشيء الذي يؤدي إلى الفشل التعليمي والاخفاق في المواد الدراسية. كما أن هؤلاء التلاميذ يواجهون في المستويات اللاحقة مشكلات و صعوبات تعليمية، كصعوبات القراءة لضعف اللغة التعبيرية و كذا ضعف الذكاء اللغوي، وصعوبات الاستيعاب و الفهم للمعلومات العقدة التي تقدم في الدروس أو القطع القرائية، وكذا صعوبات على مستوى الرياضيات حيث يكون من الصعب عليهم استيعاب المفاهيم الرياضية، واستخدام الاستراتيجيات المناسبة لحل المشكلات الرياضية بفعالية مقارنة مع أقرانهم في الفصل، كما أن تطبيق الخاصيات الحسابية كالجمع والطرح و الضرب تأخذ وقتا أطول مما يستهلك الطفل الذي لا يعاني من ADHD. وهذا بدوره يؤثر على التعلم في المستويات الأعلى من الرياضيات.

كل هذه النقط التي ذكرناها حول اضطراب الانتباه والنشاط الزائد، يؤدي بنا للحديث على “علاقة الانتباه بالتعلم”. وهو ما سنعمل عليه في المقال القادم انشاء الله.

 


الهوامش:

 

2.  د.رافع النصير الزغلول،و د.عماد عبد الرحيم الزغلول . علم النفس التربوي،ص:97،98 .

3- د.السيد علي سيد أحمد ،وفائقة محمد بدر ،اضطراب الانتباه أسبابه و تشخيصه ،الطبعة الاولى ،مكتبة النهضة المصرية،ص:36

 

الأستاذ الباحث: رفيق جهي

 

اترك تعليقاً