الرئيسية / بيداغوجيا التعلم / من الذكاء إلى الذكاءات المتعددة من البسيط إلى المُركَّب

من الذكاء إلى الذكاءات المتعددة من البسيط إلى المُركَّب

هذا المقال إهداء لروح الأستاذ “نور الدين خير الله”، أستاذنا لعلوم التربية في مركز التكوين.
اللهم اسكنه فسيح جنانك
  1. تعريف الذكاء

تقديم

الظاهرة الإنسانية من أعقد الظواهر، والتعقيد فيه أن أبعاد شخصيته متداخلة. لذلك لابد من الانتباه عند تناولها من السقوط في الوحدوية والاختزال وعيا منا بهذا التعقيد. ولهذا ذهبت بعض الآراء أن الظاهرة الإنسانية لا يمكن تفسيرها بل فهمها فقط.  ما يَهمنا من هذا التقديم ليس هو الإشكال الابستمولوجي في تناول الظاهرة الإنسانية، بل التنبيه على أن تناول أي مكون من مكونات الشخصية الإنسانية لابد من أن يأخذ بعين الاعتبار المُحددات المُتداخلة فيه، ولا يَشُذّ موضوع الذكاء عن هذا. فهو من المواضيع السيكولوجية التي تعددت وتباينت النظريات حول تعريفه أو طرق قياسه، والعوامل التي تتحكم فيه وغيرها. وأغلب التفسيرات السيكولوجية المرتبطة بالذكاء تنتهي إما إلى السوسيولوجيا أو البيولوجيا. وتتحكم في الذكاء كذلك عوامل وراثية ومحيطية.

ما الذكاء؟

تختلف تعاريف الذكاء باختلاف المنطلقات النظرية وما يراه كل فريق. لذلك نجد تعريفات للذكاء ترتكز على البيولوجيا، وأخرى على الفيزيولوجيا، وثالثة على البعد الاجتماعي، ورابعة على البعد النفسي، ومنها ما يحاول التركيب. وسنحاول التعريج على بعضها للخروج بتعريف جامع للذكاء.

المعنى الاشتقاقي اللغوي

الفيلسوف الروماني “شيشرون”* هو صاحب كلمة (Intelligentia)، وتحولت إلى اللغات الأوربية، فهي في الفرنسية (Intelligence). وشاع استعمالها في أواخر القرن التاسع عشر وترجمت إلى العربية بذكاء، وهو في اللغة العربية مصدر ذَكَى وذَكاءُ النَّارِ: شِدَّةُ وَهْجِها، أما ذَكاءُ الإِنْسانِ: قُدْرَتُهُ على الفَهْمِ والاِسْتِنْتاجِ والتَّحْليلِ والتَّمْيِيزِ بِقُوَّةِ فِطْرَتهِ وَذَكاءِ خاطِرِهِ، وعليه فالذَّكَاءُ: الجمرة الملتهبة، ويُقال: ذَكا الوَلَدُ: كانَ ذَكِيَّ الفَهْمِ، مُتَوَقِّدَ البَصيرَةِ1. وهذا هو التعريف الاشتقاقي اللغوي للذكاء، فماذا عن التعريف الذي ينطلق من المنظور البيولوجي؟

التعريف البيولوجي

كانت بوادره مع “سبنسر”*، الذي يرى أن الحياة هي تكيف مستمر للعلاقات الداخلية مع العلاقات الخارجية، ويتم لدى الحيوان بفضل الغرائز، أما لدى الإنسان فإنه يتحقق بواسطة الذكاء، فوظيفة الذكاء حسبه هي تمكين الانسان من التكيف الصحيح مع بيئته المعقدة ودائمة التغيير. ولدى “جون بياجيه” يمثل التوافق باعتباره جوهر الذكاء دورا هاما في هذه العملية، حيث يرى أنه لا وجود لانقطاع بين أبسط أشكال السلوك التكيفي وأكثر أشكال الذكاء تطورا، إذ يقول: ” كل سلوك داخلي أم خارجي يقدم نفسه كتكيف أو بعبارة أخرى إعادة تكيف، فالفرد لا يفعل إلا لحاجة أي إذا فقد التوازن بين الوسط والعضوية، والفعل هو محاولة لإعادة التوازن، أي وبدقة إعادة تكيف العضوية”2.

فالتكيف والتلاؤم مفاهيم بيولوجية يحاول “جون بياجي” تطبيقها على سيكولوجية الذكاء، من خلال عمليتي الاستيعاب (وهو استدماج التغيرات الخارجية التي تطرأ على البيئة)، والمواءمة (وهي التغيرات التي تطرأ على الكائن العضوي نفسه).

التعريف الفيزيولوجي

هذا التعريف أو التحديد ينطلق من التكوين التشريحي للجهاز العصبي المركزي على وجه العموم، ومن القشرة المُخية على وجه الخصوص. ففي دراسة قام بها “بولتون” (Bolton) على ضِعاف العقول والعاديين، والتي أتبت من خلالها أن خلايا القشرة المُخِّية تنقص في عددها وانقساماتها عند ضعاف العقول3. و”تورندايك” عمل على نفس المنوال على تفسير الذكاء من خلال الوصلات، أو الروابط العصبية، فبقدر تلك الروابط، بقدر ذكاء الانسان.

العوامل الوراثية والبيئية في تشكيل الذكاء

ميز “هوب” (Hobb) بين نوعين من الذكاء، الذكاء “أ” والذكاء “ب”، الأول فطري يولد به الطفل فله وجود بالقوة، أما الذكاء الثاني (ب)، فله وجود بالفعل بالتعبير الأرسطي، يقول “هوب” :

“إن الطفل قد يولد بوسع منخفض، وبالتالي لا يمكن لأية بيئة أن تُحدث ارتفاعا في الذكاء عند النضج فالذكاء (أ) هو الامكانية الفطرية لتنمية النشاط العقلي والذكاء (ب) هو مستوى هذه التنمية في وقت لاحق حين يمكن ملاحظة النشاط العقلي للفرد”3. ومعنى هذا الكلام أن الذكاء (ب) الذي يمكن ملاحظته لا يمكن ان يوصف بانه وراثي أو مكتسب لأنه نتاج الفطرة والخبرة معا.

التعريف النفسي

إذا حاولنا استقراء التعاريف التي تصب في البعد النفسي للذكاء، فإننا سنجد أنها تتباين بين موقفين، أحدهما يركز على دور التعلم في تكوين الذكاء، والثاني يربط الذكاء بالتفكير.

فالموقف الأول يرى أن الذكاء هو القدرة على تغيير الأداء، وكسب الخبرات. أما الموقف الثاني فيرى أن الذكاء هو القدرة على التفكير المجرد، ويعرفه كذلك بكونه القدرة على إدراك العلاقات الصعبة والخفية، والاستقراء والاستنباط.

وكل التعاريف السابقة يمكن تلخيصها في تعريف (Boring): “الذكاء قدرة يمكن قياسها، ينبغي أن يعرف منذ البداية بأنه القدرة على الأداء الجيد في اختبارات الذكاء”4. وبالتالي فالذكاء هو ما أصبحت تعبر عنه اختبارات الذكاء، ذلك أن كل الاعتبارات السابقة متضمنة في هذه الاختبارات. إلا أن هذا التصور ينم عن خلل التعميم فليس هناك ذكاء واحد، ولا مُتعلم واحد كوني، بل ذكاءات متعددة وبالتالي متعلمين مختلفين متعددين في سلوكياتهم الذهنية وأساليب تفكيرهم وتعاملهم مع ذواتهم، وهو التصور الحديث لموضوع الذكاء مع “هاورد غاردنر”، والذي يرى أن قياس ذكاء الناس بقياس واحد، فهو غشش لهم، فيما يتعلق بقدرتهن على تعرف الأشياء الأخرى5.

                النظرة الأُحَادية في التعامل مع الذكاء لا تُوفر في الحقيقة فُرصا متكافئة للمتعلمين المُختلفين في استجاباتهم واستراتيجيات تعلمهم وهو الأمر الذي ستعمل على تجاوزه نظرية الذكاءات المُتعددة والتي سيكون لنا فيها كلام في المقالات القادمة.

الهوامش

*ماركوس توليوس سيسرو بالإنجليزية: (Marcus Tullius Cicero) شيشرون Cicero -، الكاتب الروماني وخطيب روما المميز، ولد سنة 106 ق.م، صاحب إنتاج ضخم يعتبر نموذجا مرجعيا للتعبير اللاتيني الكلاسيكي وصلنا لحسن الحظ جانب كبير منه.

   * هربرت سبنسر (Herbert Spencer) هو فيلسوف بريطاني 27  (ابريل 1820 – 8 ديسمبر 1903). يعتبر سبنسر أحد أكبر المفكرين الإنجليز تأثيرا في نهاية القرن التاسع عشر ، وهو الأب الثاني لعلم الاجتماع بعد أوجست كونت الفرنسي.

  1. معجم المعاني على الرابط: https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1/.
  2. نور الدين، خير الله: “الطفل واللعب والذكاءات المتعددة مدخل نظري للتعليم الأولي”، مطبعة هبة، الصويرة، 2011، ص: 98.
  3. د. لمياء، الديوان: “علاقة الذكاء بعدد الخلايا العصبية”، مقال على الرابط: http://lamya.yoo7.com/t117-topic
  4. فؤاد، أبو حطب: “القدرات العقلية”، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1992، ص: 527.
  5. سليمان، الخضيري الشيخ: “الفروق الفردية في الذكاء”، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1976، ص: 93.
  6. عبد الواحد، أولاد الفقيهي: ” التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة”، مجلة علوم التربية، المجلد الثاني، العدد18 مارس 2000، الشركة المغربية للطباعة والنشر، الرباط، ص: 115.

ذ. رفـــيـــق جـــهـــي