الرئيسية / بيداغوجيا التعلم / من الفهم إلى الإدراك

من الفهم إلى الإدراك

من الفهم إلى الإدراك

(De la compréhension à la perception) 

الفهم

إن عملية الفهم عملية معقدة، إذ أنه يتم عبر عملية مقارنة مدركة ثم مستحضرة بمخزون الذاكرة. والفهم إما قدرة على التفسير أو على التطبيق، وكلما استعملنا هذين المفهومين كلما طورنا كفاية وفعالية أدمغتنا وأدمغة المتعلمين؛ لنصبح قادرين على التفسير والتطبيق. فكيف يتحدد الفهم كعملية ذهنية؟ كيف تتم عملية الفهم؟ كيف نمر من عملية الفهم الى الإدراك؟

تعريف الفهم

لتعريف الفهم لابد من العودة إلى التأصيل اللغوي ثم نعرج على معناه الإصطلاحي. لغة[1]، نجد تعريف و معنى فهم في قاموس المعجم الوسيط، اللغة العربية المعاصر على النحو التالي:

  1. فهم الأمر أو الكلام أو نحو ذلك: أدركه، علمه، أحسن تصوّره، استوعبه :- فهِم الموقفَ / الدَّرسَ / القضيّة / تلميحًا – ” كُلُّ لبيب بالإشارة يفهم”.
  2. فهم ف ه م : فَهِمَ الشيء بالكسر فَهْما و فَهَامةً أي علمه وفلان فَهِمٌ  واسْتَفْهَمَهُ الشيء فَافْهَمَهُ و فَهَّمَهُ تفهِيما و تَفَهَّمَ الكلام فهمه شيئا بعد شيء وفَهْمٌ قبيلة.
  3. فَهِمٌ ( صِيغَةُ فَعِل ) :- رَجُلٌ فَهِمٌ :- : سَرِيعٌ الإِدْرَاكِ وَالإِحَاطَةِ بِالشَّيْءِ .
  4. فهَّمَ يفهِّم، تفهيمًا، فهو مُفهِّم، والمفعول مُفهَّم : فهَّمه الأمرَ مكّنه أن يدركه وأن يحسن تصوُّره ، جعله يفهمه :- فهّمه الدرسَ / القضيّة / الموقفَ ، يظهر في قوله تعالى:{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}[2].

من التعريف اللغوي للفهم، يظهر على أنه إدراك وتصور الشيء واستيعابه. وهذا ما نسعى أن نصل إليه من تعليم النشأ.

أما إصطلاحا، فإننا نجد “معجم علوم التربية” يعرفه على أنه “عملية ذهنية يقوم بها المتعلم لفك شفرة إرسالية مكتوبة أو شفهية”[3]. وبالتالي يقدم للتلميذ سند مكتوب أو شفوي، وتوجه له أسئلة تبرهن على فهمه للرسالة الواردة فيه؛ وهو الأمر الذي يتطلب مهارات عدة من المتعلم. لكن كيف يمكن أن نحقق الفهم لدى المتعلمين؟

كيف تحدث عملية الفهم

تعتبر عملية الفهم من العمليات الذهنية الأساسية في التعلم إذ تنبني عليها العمليات الذهنية اللاحقة فلا يمكن أن يتذكر المتعلم ولا أن يحلل إلا ما فهمه.

إن الفهم المنشود وراء العملية التعليمية التعلمية، يعتبر من الأمور المستعصية التحقق، إذ تتطلب دراية وخبرة واسعتين؛ وكذا معرفة معمقة حول ماهية هذه العملية وكيفية تحقيقها والمعيقات التي تقف أمامها.

مساهمة منا لوضع الأصبع على هذه العملية، نقول أن عملية الفهم تتطلب أمورا عديدة من بينها:

  • وضع التلميذ في مشروع: لكي يفهم التلميذ ما يتلاقاه، يجب أن يشعر على أنه جزء لا يتجزأ منه وأنه المعني الأول بكل ما يقال ويفعل في الفصل الدراسي. أي أن نجعل فهم التلميذ هدفا له، وكذا أن نجعل له هدف سيصله من خلال فهمه للمادة التعليمية، فإن فهم التلميذ هو ما سيمكنه من تذكر ما فهمه وكذا تحليله ومناقشته ليبدع فيه جديدا.
  • تحويل المقروء أو المسموع لصور ذهنية: أثناء عملية القراءة أو تلقي المعلومات شفويا، لفهمها لابد من تحويلها إلى صور ذهنية لاستيعابها وتذكرها من حين لآخر، وهنا يقوم الذهن بمقارنة المعلومات الجديدة مع المعلومات المسجلة سلفا لكي تتم عملية الاستيعاب الجيد.
  • تنويع الوسائل المستعملة بين السمعية والبصرية: فكل منا إما أن يكون بصريا أو سمعيا، أي منا من يستوعب أكثر عن طريق السمع، ومنا من يعتمد على المرئي.
  • القيام بترجمة شخصية للمعلومات التي نتلقاها: إنها “ترجمة” للشيء الذي يجب فهمه بلغتنا العقلية الخاصة وفي الإطار المرجعي الخاص بنا وفي سياقنا: المكان والزمان والحركة. فهم الأشياء انطلاقا من مكاننا وزماننا وحركتنا، إذ ما كان يفهم بطريقة في زمان سابق وفي مكان معين لا نفهمه بنفس الطريقة اليوم وقد لا نفهمه به غدا.

كل شخص يتواجد داخل “لغته العقلية” ما ينظر إليه من الخارج. فكلما زاد الاستثارة وغنى بها عملية تحويل للهدف المدرك، كلما كان الفهم أعمق.

بغض النظر عن الطريقة التي تعمل بها، لا تفهم دون ترجمة عقلية لما يُنظر إليه في سياق الوقت أو الفضاء أو الحركة.

  • استخراج واستخلاص المعنى من خلال الاستجواب المنهجي: وذلك من خلال طرح أربعة أسئلة تعمق فهمنا ولاستخراج المعنى وهي: ماذا (المادة المعرفية أداتها مصطلحاتها..)؟ كيف (ستستخدم هذه المعرفة في موقف حل المشكلات الذي ستواجهها…)؟ لماذا (تم إنشاء هذه)؟ ما هو الهدف منه؟

من خلال هذه الخطوات يمكن الوصول إلى تفهم حاجيات التلاميذ، للعمل على جعلهم يفهمون أكثر فأكثر.

ونقول أيضا، أن الفهم عبارة عن عملية عقلية تتكون تعتمد على مقارنة المعلومات المتصورة مع مخزون المعلومات المتوفرة في ذاكرتي. إذ يبدو الأمر كما لو تم تقسيم ذهني إلى قسمين يتواصلان: في الجزء الأول، المعلومات الجديدة؛ في الجزء الثاني، المعلومات التي لدي بالفعل (أي السابقة). يتم هذا التواصل بين الأجزاء المختلفة من خلال العلاقات المنطقية: التضمين (معلومة متضمنة في أخرى)، والاستبعاد (استبعاد كل مستعص عن الفهم)، والتسلسل الهرمي (من الأساسي والضروري والمهم في قاعدة الهرم إلى الأقل أهمية في أعلى الهرم)، والتشابه، والاختلاف وما إلى ذلك.

إذا كان مخزون المعلومات المتوفرة في ذاكرتي غير كاف، فسأواجه مشاكل في الفهم. سيتعين علي تحديد ما هو مفقود لفهم الجديد، ثم سيكون عليّ سد هذه الثغرات من خلال إعادة تعلم ما لم أتعلمه جيداً بما فيه الكفاية. جميع المعلومات مرتبطة ببعضها البعض في الشبكات العصبية. كلما كانت المعلومات أكثر دقة، كانت العلاقات أفضل بينها؛ سيكون الفهم أفضل. لا نعرف إلا من خلال مواجهة هذا الغريب بما أعرفه بالفعل.

وإذا كان لدينا نقص في المفردات، أو إذا كانت مفرداتي غير دقيقة بما فيه الكفاية، فسنواجه أيضاً مشاكل في الفهم. المفردات ضرورية ليس فقط لأنها تسمح بتسمية الأشياء ولكن أيضا لنقلها. يجب أن يرافق إتقان القواعد اللغوية المفردات، حيث أن القواعد هي التي تربط المفردات بإنتاج المعنى. القواعد تنتج ديناميكية (حركة) بين الكلمات.

من الفهم إلى الإدراك

معنى الادراك لغة[4]، اسم) إدراك: ( وهو مصدر أَدْرَكَ. فعل) أَدْرَكَ) وله عدة معان:

  • أدركَ يُدرِك، إدراكًا، فهو مُدرِك، والمفعول مُدرَك – للمتعدِّي؛
  • أدْرَكَ الشيء: بلغَ وقتَهُ؛
  • أدْرَكَ الثمَرُ: نضج؛
  • أَدْرَكَ الوَلَدُ سِنَّ الرُّشْدِ: بَلَغَ، راهَقَ؛
  • أدْرَكَ فلانٌ: بلغ علمُه أقصى الشيءِ؛
  • أدْرَكَ ماءُ البِئر: وَصَل إلى دَرْكِها؛
  • أدْرَكَ الشيءَ: لَحِقَهُ وبلَغه ونالَه؛
  • أدْرَكَ الشيءَ ببصَرَهِ: رآه؛
  • أدْرَكَ المعنى بعَقْلِه: فَهِمَه؛
  • أَدْرَكَ هَدَفَهُ: وَصَلَ إِلَيْهِ، بَلَغَهُ، نَالَهُ؛
  • يُدْرِكُ الْمَسَائِلَ الرِّيَاضِيَّةَ: يَفْهَمُهَا؛
  • أَدْرَكَ مِنْهُ حَاجَتَهُ: أَخَذَهَا أَدْرَكَ بِثَأْرِهِ؛
  • أدرك عليه الشَّيءَ: آخذه ولامه عليه؛
  • أدرك عليه خطَأَه: أَصْلَحَه؛
  • ما لا يُدْرك كُلُّه لا يُترك جُلُّه: الحثّ على تحصيل ما يمكن تحصيله حتى ولو كان قليلاً؛
  • أدركه البصرُ : أحاط به.

في اللغة فإن إدراك الشيء هو بلوغه والحصول عليه وفهمه، وندرك الأشياء إما بالبصر أو السمع.

أما في معناه الإصطلاحي، فإنه عملية من العمليات العقلية التي يقوم بها العقل لمعرفة كل ما يحيط بنا، سواء في عالمنا الداخلي أو الخارجي.

نتعامل مع العالم الخارجي بفضل حواسنا: حاسة البصر للرؤية، حاسة السمع لسماع مختلف الأصوات، حاسة اللمس للمس الأشياء والتعرف على طبيعتها، حاسة الذوق لتذوق الأشياء لمعرفة طعمها، الرائحة لتمييز مختلف الروائح؛ هكذا ندرك مختلف ما يحيط بنا من أشياء في العالم الخارجي، كيفما كانت طبيعتها. هذا العالم، الذي تسكنه كائنات، أشياء، فيه معلومات، علاقات منطقية (كائنات / أشياء، أشياء / معلومات، معلومات / معلومات…إلخ)، يتم إدراكه بطرق مختلفة.

لكن كل واحد منا يرمز للعالم بشكل مختلف، عندما نجعله موجودًا في عالمنا العقلي. وهذا ما عهدناه منذ الطفولة.

في معظم الأوقات، لا نكون على علم تام بكوننا نقوم بتشفير العالم، لأن العملية تتم بسرعة تفلت من وعينا. إنها عملية طبيعية مثل التنفس من جهة أولى؛ أما من جهة ثانية، ندرك طريقتنا الشخصية في ترميز العالم عندما نواجه صعوبة، أو فعل أو معلومة تفلت من الروتين الذي عهدناه دوما. لذلك نكون على علم بالتنفس على سبيل المثال، عندما لا يكون لدينا ما يكفي من الهواء.

العالم الخارجي الذي لم يتم ترميزه في كون ذهني غير موجود بالنسبة لي. وبما أنه غير موجود في كون ذهني، فمن المستحيل بالنسبة لي أن أستفيد منه. إذا كنت أتجول في المدينة، فأنا خاضع للإعلانات. سيوجد البعض في كون ذهني – تلك التي كنت سأكون منتبهة – والبعض الآخر لا. وبنفس الطريقة، لا أستطيع أن أتذكر ما قرأتُه للتو عندما تم القبض على انتباهي عن طريق شيء آخر. قراءة المقطع غير موجودة في كون ذهني، أو دون وعي، لذلك لا أستطيع الاستفادة منه.

وبالتالي، يعتبر الإدراك عملاً ضروريًا ولكنه غير كافٍ لكي يتواجد العالم في كون ذهني. يجب أن ينجح الإدراك في الاستحضار، أي فعل ترميز العالم الخارجي في كون ذهني، وجعله موجودًا بالنسبة لي.

 

على العموم، أقول أن جودة الفهم تعتمد أيضًا على جودة التصور، والاهتمام، والاستحضار، والحفظ. تعتمد جودة هذه العمليات العقلية على كيفية تشفير العالم الحقيقي في عالمنا العقلي.

الفهم هو نتيجة اللقاء بين الإدراك والاستحسان (استحضار المعلومات المراد معالجتها مع المعلومات التي تحدثها الذاكرة في وعينا). إن الفهم سهل عندما يتم الخلط بين لحظة الإدراك والاستحضار (المعلومات التي يجب معالجتها المرتبطة بالمعلومات المتوفرة بالفعل في ذاكرتنا) بسبب سرعة تنفيذها. ومع ذلك، عندما يكون الكائن أو المعلومات المتصورة معقدة أو غير مسبوقة، لا يوجد أي خلط بين لحظة الإدراك والاستحضار.

الفهم إذن هو الفعل العقلي الذي يتكون في مقارنة الجديد مع القديم. كل منا لديه عادات في طريق تنفيذ عملية الفهم. ومعرفة هذه العادات تجعلنا أكثر كفاءة.

 

 

 


هوامش

 

[1] (https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%81%D9%87%D9%85/ 18/054/2018 Heure 19:50, s.d.)

[2] (القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 79)

[3] عبد الكريم غريب وآخرون: معجم علوم التربية مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، الجزء الأول، الطبعة الثالثة 2001، منشورات عالم التربية، ص: 46

[4] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar    23/04/2018 Heure 21 :59

 

 

الكاتب: رفيق جهي

اترك تعليقاً